كيف ترسم ابتسامة


قلم: نادر حبيب

عندما نشأت في حي شبرا، أحد أكبر أحياء القاهرة. كان الناس دائمًا في غاية اللطف، والتعامل اليومي يتميز بالأدب، كما كان الحال في معظم أنحاء مصر في ذلك الوقت، تعلمت أن أحيي جيراني بابتسامة. وعندما يمرض أحدهم، كنت أذهب للاطمئنان عليه. ولكن بعد ثورة يناير 2011، تغير كل شيء. بدا أن الناس يضعون حواجز بينهم وبين الآخرين، وكأنهم يقيمون خطوط دفاع لتجنب المشكلات، في ذلك الوقت، ظننت أن السبب يعود إلى ظروف الثورة، عندما رأينا الناس يشكلون مجموعات لحماية الأحياء والحفاظ على الأمن.

في دراسة علمية نُشرت في يناير ٢٠٢٠ في مجلة NILES Journal for Geriatric and Gerontology الصادرة عن جامعة بني سويف والمعهد القومي لعلوم الشيخوخة، قالت الباحثة نجوان أحمد عاصم إن المجتمع المصري تعرض للعديد من التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بعد الثورة، وكان لذلك أثر واضح على السلوك الشخصي، في مقال بعنوان "التغيرات الاجتماعية والاقتصادية بعد ثورة يناير 2011 وتأثيرها على الشخصية المصرية"، أشارت إلى أن الثورة أدت إلى تغيرات في السلوكيات بين الأفراد.

اليوم، عند ركوب مترو القاهرة، قد تجد الركاب وكأنهم في حالة من الاكتئاب والمشقة. قد يكونون غارقين في مشاكلهم لدرجة تجعلهم غير مدركين لمن حولهم، قد يتعامل الناس بعدوانية حتى في حالة وقوع أمر بسيط عن طريق الخطأ. ومع ذلك، وفي وسط هذا الجو الكئيب، لا يزال من الممكن أن تجد شبابًا، خصوصًا من الجيل الجديد، يحاولون نشر الفرح لمن حولهم.

بعضهم على وسائل التواصل الاجتماعي يقدم الزهور أو رسائل شخصية لأشخاص لا يعرفونهم. قد يعطي أحدهم لفتاة وردة مع ورقة مكتوب عليها "أنت جميلة"، أو يرسم صورة لشخص غريب. مثل هذه اللفتات يمكنها أن تغيّر تعبيرات الوجوه تمامًا، فتستبدل العبوس بالابتسام.

وأنا أتأمل هذه التغيرات الاجتماعية، شاهدت فيديو على فيسبوك لشاب يرسم ركاب المترو دون أن يشعروا، ثم يمنحهم الرسوم بعد الانتهاء. وكانت تعبيرات وجوههم تتغير إلى ابتسامة ودهشة.

أحد الفيديوهات أظهر سيدة مسنّة تجلس بجوار زوجها، غارقة في أفكارها، وملامح وجهها تعكس سنوات طويلة من العمل الشاق والتضحيات من أجل أولادها وبيتها. لكن بعد أن حصلت على رسم بسيط من شاب لا تعرفه، تحولت ملامحها إلى ابتسامة صافية، وكأنها نالت أعظم جائزة في العالم.


ظللت أعيد الفيديو مرارًا لأستمتع بتلك الابتسامة الرائعة، التي كانت أجمل مئة مرة من الابتسامة الغامضة في لوحة الموناليزا الشهيرة المحفوظة في متحف اللوفر بباريس. وجعلني ذلك أرغب في معرفة هذا الشاب الذي يرسم الفرح على وجوه المارة. وبالفعل، وجدته، ووجدته مليئًا بالمفاجآت.

إسلام عطية في مرسمه الخاص

إسلام عطية، يبلغ من العمر ٢٥ عامًا، من أبو قرقاص بمحافظة المنيا (٢٥٠ كم جنوب القاهرة). حاصل على ليسانس حقوق، لكنه قرر أن يتبع شغفه بالفن ويبحث عن السعادة في الحياة من خلال الرسم. وبسبب ضعف الإمكانيات المادية، لم يتمكن من الالتحاق بكلية الفنون الجميلة، فقرر دراسة الفن بنفسه وبطريقته الخاصة.

تعلّم من خلال كورسات خاصة تحت إشراف أساتذة، دون علم والديه، لأنه كان يعلم أنهما سيرفضان طريقه هذا. كان يعمل أثناء دراسته لتمويل تلك الكورسات، وأحيانًا يطلب المساعدة من أصدقائه لحضور دورة تدريبية باهظة الثمن. وكل ذلك على حساب مهنته الأصلية في القانون، التي لم يحبها يومًا.


يقول إسلام: "ما حدث في المشهد الفني خلال السنوات الأخيرة نتيجة تأثيرات متعددة، أهمها وسائل التواصل الاجتماعي، التي سمحت لأي شخص، بغض النظر عن خبرته، أن يتحدث في أي موضوع. في الماضي، كان الناس يحصلون على معلوماتهم من وسائل الإعلام التقليدية. أما الآن، فهناك العديد من البدائل."

"وسط هذه الفوضى، حاولت أن أخلق لنفسي فرصة لممارسة الفن. جاءتني فكرة الرسم في الشارع أثناء أحد الكورسات، حيث طلب المدرّب منا أن نرسم من ٧٠ إلى ١٠٠ اسكتش يوميًا، بشرط ألا نستخدم صورًا من الإنترنت أو كاميرات الهاتف، بل نرسم شخصيات حقيقية من الحياة وفي وقت محدود."

"وهكذا بدأت الحكاية. سألت نفسي: أين سأجد أشخاصًا لأرسمهم؟ وجاءني الجواب: في المترو، حيث يجلس أو يقف الناس ثابتين حتى يصلوا إلى محطاتهم."

"قررت أن أرسم الوجوه خلال دقيقتين، وكنت أحب أن أشارك ردود أفعال الناس على السوشيال ميديا، سواء كانت داعمة أو ناقدة. كان هدفي أن أربط الفن بالضحك وخفة الدم المعروفة عن المصريين."

يحكي عطية عن بعض المواقف المؤثرة خلال تجربته: "أتذكر أنني كنت في المترو مع صديق، وكان أمامنا رجل بملامح مميزة ولحية بيضاء. بدا مهمومًا وغارقًا في التفكير. أشار لي صديقي عليه، فبدأت أرسمه. وعندما انتهيت، قدمت له الرسم، لكنه لم ينتبه، وعندما حاولت أن ألفت نظره لي، فالتفت إليّ، وتبين لي أنه لم يكن منتبهًا لي من الأساس. عندما أخذ مني الرسمة، ظل يتأملها طويلًا، وقبل أن ينزل من القطار، قال لي: 'غيرتلي حالتي النفسية. كنت بفكر في حاجات مضايقاني، وإنت جيت فاجأتني، في تلك اللحظة، شعرت أنني كنت أسعد منه. هو الذي غيّر يومي بكلماته."

ويضيف عطية أن بعض فيديوهاته نالت رواجًا واسعًا على الإنترنت، "أحد الفيديوهات انتشر بقوة وكان لرجل سوداني مسن رسمته. وعندما أعطيته الرسمة، أطلق ضحكة جميلة أثرت في كل من سمعها."

قال الرجل: "أنا من السودان، البلد اللي فيه حرب دلوقتي، لكنك فرحت قلبي." وقد تم تداول هذه العبارة على نطاق واسع، وقال عطية: "أدهشتني ردود أفعال السودانيين على الفيديو. أحدهم أرسل لي رسالة قال فيها: 'أنت أطفأت التوتر بين الشعبين. في تلك اللحظة، أدركت الدور الذي يمكن أن يلعبه الفن في التقريب بين الناس. في ذلك اليوم، أسعدت أمة كاملة."

يركز عطية في رسوماته على وجوه الرجال، مفسرًا ذلك بقوله: "رسم الفتيات يحتاج إلى تركيز وثبات لأن ملامحهن متغيرة ونشطة، بعكس وجوه الكبار الممتلئة بالتجاعيد.، وكلما أعطيت فتاة رسمة، تقول لي: 'دي مش أنا!' وبعضهن لا يحببن أن يتم رسمهن، بينما تطلب أخريات رسومات أكثر."


ويختتم عطية حديثه قائلاً: "أحب أن أرسم الوجوه في المترو، وأرسم الابتسامة على الوجوه. حتى رسمة بسيطة قادرة على تغيير حالة الإنسان للأفضل. هذا هو الدور الحقيقي للفن."

إرسال تعليق

أحدث أقدم