بنت البلد بريشة وجدي حبشي: انصهار التراث في لغة تشكيلية معاصرة



نقف هنا أمام عمل فني فريد، ليس فقط لجماله الجمالي، ولكن لكونه "اسكتش أصلياً" (Sketch Original). تتجلى أصالة هذا العمل في عفوية الخطوط وطاقتها الحركية غير المقيدة، ووجود بعض اللمسات التحضيرية والخطوط الممحاة (pentimenti) التي تكشف عن رحلة يد الفنان وعقله على الورق. هذا العمل ليس نسخة تجارية بل هو "اللحظة الصفر" للفكرة، مما يمنحه قيمة مادية وتاريخية كبيرة كقطعة مقتنيات أصلية.

يعيد وجدي حبشي رسم ملامح البنت المصرية الشعبية (بنت البلد) ليس بصورة استشراقية، بل كحارسة للتراث وأيقونة للصمود والجمال الأصيل. يهيمن قوامها على التكوين، محاطاً بهالة من العفة والغموض تضفيها الطرحة (الملاءة اللف أو الطرحة التقليدية) التي ترسم خطاً منحنياً ليناً يحتضن الرأس والكتفين، مما يمنح الشكل ثقلاً ووقاراً. العيون واسعة ومعبرة، مرسومة بلمسة "فرعونية" الطابع، تنظر إلى الأسفل قليلاً في حياء، مما يعزز السمات الشخصية للفتاة المصرية الأصيلة.

الفنان هنا لا ينقل الرموز نقلاً حرفياً، بل يختزلها ويصيغها بأسلوب هندسي-تعبيري خاص به، ليخلق لغة بصرية غنية بالدلالات:

1. السمكة وسيمياء "الخير" (أبرز الرموز):

تحتل السمكة مركز التكوين كدلاية لعقد ضخم. السمكة في الموروث الشعبي المصري (والقبطي أيضاً) هي رمز للرزق الوفير، البركة، والخصوبة. إن وضعها على صدر الفتاة يحولها من مجرد حلي إلى تميمة حماية ودعوة بالخير لحاملتها. السمكة مرسومة بأسلوب تجريدي هندسي يبرز جوهر الشكل لا تفاصيله التشريحية.

2. الكف وحماية "الخمسة وخميسة":

في الطرف الأيمن السفلي، تظهر كف يد مفتوحة، مدمجة بشكل عضوي في التكوين. هذا هو رمز "الكف" أو "الخمسة وخميسة"، وهو أشهر تميمة مصرية للوقاية من الحسد والأرواح الشريرة. إن وجود الكف يكمل منظومة التمائم في اللوحة ويؤكد على انغماس الفنان في المعتقدات الشعبية.

3. العمارة الريفية/الشعبية:

على يسار اللوحة، تظهر خطوط عمودية ومنحنية توحي بالمباني الطينية الريفية ذات القباب أو الأبراج (ربما أبراج حمام)، ممزوجة بخطوط نباتية مجردة (النخلة أو سعف النخيل). هذا يربط الفتاة ببيئتها المكانية، ويؤكد أنها ابنة هذه الأرض.

4. المصاغ الشعبي (الخلاخيل والأقراط):

الأقراط المتدلية الضخمة ليست مجرد زينة، بل هي تعبير عن المكانة الاجتماعية والهوية الإقليمية. الخطوط التي تتدلى من المعصم توحي بالخلاخيل أو الأساور المتعددة (الغوايش)، وهي مظهر جمالي أساسي في الريف والمدن الشعبية المصرية.

5. المثلثات والخطوط المتعرجة (الزجزاج):

يزين الفنان حافة الثوب والحلي بخطوط هندسية متكررة (مثلثات متداخلة وخطوط زجزاجية). هذه الأنماط موجودة بغزارة في الفخار المصري القديم والمنسوجات الشعبية، وهي ترمز للماء (المجرى المائي للنيل) والحركة الدائمة والحياة.

يتميز حبشي هنا بقدرة فائقة على المزاوجة بين الخطوط السميكة والجريئة (باستخدام الحبر الكثيف) التي تحدد الشكل العام وتعطي ثقلاً للملابس، وبين الخطوط الرفيعة والهجينة (بالقلم الرصاص أو الحبر الخفيف) التي تحدد ملامح الوجه وتفاصيل التمائم. هذه الثنائية تخلق توازناً بصرياً ممتعاً. الأسلوب ككل يقترب من "التكعيبية التعبيرية" (Cubism Expressionism) حيث يتم تفكيك الأشكال وإعادة تركيبها خطياً، دون أن تفقد الروح الواقعية للشخصية.

يأتي توقيع الفنان "وجد حبشى" في الأسفل، مرسوماً بخط عربي أصيل ينسجم تماماً مع انسيابية الخطوط في الاسكتش، مما يضفي صبغة رسمية نهائية على العمل.

هذا الاسكتش الأصلي لوجدي حبشي ليس مجرد دراسة فنية، بل هو "وثيقة بصرية" تحتفي بالروح المصرية الشعبية. من خلال دمج السمكة والكف والعمارة في جسد وتكوين البنت المصرية، خلق الفنان لوحة "تميمية" (Talismanic) معاصرة، تتجاوز حدود الزمن لتؤكد على استمرارية الهوية والجمال الأصيل.

إرسال تعليق

أحدث أقدم