بلاغة العبور: قراءة في لوحة "الرحلة الأخيرة" للفنان وجدي حبشي



يقدم الفنان وجدي حبشي في هذا العمل رؤية بصرية شديدة العمق لمفهوم الموت في الفكر المسيحي، حيث لا يظهر القبر كنهاية، بل كجسر أو "نقطة عبور" (Transit point) بين حالتين من الوجود. اللوحة هي تجسيد حي لعقيدة "شركة القديسين" واستمرارية الرابطة بين الكنيسة المنظورة (الأحياء) والكنيسة غير المنظورة (الراحلين).

اعتمد الفنان في بناء اللوحة على "التداخل المكاني". نلاحظ أن الشخوص (الأحياء) يتحركون بحميمية داخل فضاء المقابر؛ فلا توجد مسافة موحشة أو حاجز بصري يفصل بين الزائر والقبر.

المقدمة تظهر العائلة (الأب، الطفل، والأم بزيها الشعبي الوقور) ككتل بصرية قوية وراسخة، مما يمثل "الحياة" في صورتها المستمرة عبر الأجيال، أما في الوسط والخلفية، تتلاشى الحدود الفاصلة حيث تذوب الشخوص البعيدة مع الصلبان المنتصبة، في إشارة رمزية إلى أن الذين رحلوا لا يزالون حاضرين في المشهد، يسكنون في ذات الحيز الوجداني والمكاني.

تنتشر الصلبان في اللوحة بكثافة، لكنها لا تبدو كشواهد صامتة، بل كأشجار حية تنمو في "بستان" وليس في "مدفن"، في الفكر المسيحي، الصليب هو رمز القيامة؛ لذا فإن تكرار الصليب في لوحة حبشي يحول المشهد من "رثاء" إلى "وعد باللقاء". الخطوط الرأسية للصلبان تتجه دائماً للأعلى، مما يوجه عين المشاهد نحو السماء، معززةً فكرة "الانتقال" من الأرضي إلى السماوي.

تظهر العلاقة المستمرة من خلال وضعيات الشخوص، فوجود الطفل في قلب المدافن يحمل دلالة على استمرار الحياة وبراءة النظرة للموت؛ فهو لا يخشى المكان، بل يشارك في طقس المحبة (عن طريق تقديم الزهور)، وكذلك فالحوار الصامت من حركة الأجساد توحي بأن هناك حواراً داخلياً ممتداً، فالأحياء لا يزورون "جثامين"، بل يزورون "أحباء" انتقلوا إلى مكان آخر، هذا الشعور بالألفة يكسر هيبة الموت ويحوله إلى لحظة تأمل دافئة.

استخدم الفنان تقنية "الوشي" أو التظليل الشفاف في الخلفية، حيث تبدو الصلبان والمباني البعيدة كأشباح نورانية، هذا الأسلوب الفني يخدم الفكرة الفلسفية للوحة، الموت ليس عدماً (Blackout)، بل هو حالة من الشفافية الروحية، اللون الرمادي الذي يغلف اللوحة يجمع بين "ترابية الأرض" و"نورانية الروح"، مما يخلق وحدة عضوية بين العالمين.

نجح وجدي حبشي في تحويل "المدافن" من مكان للموت إلى "أيقونة للرجاء"، اللوحة تؤكد أن الموت في وجدان الفنان (وفي العقيدة المسيحية) هو مجرد تغيير في شكل الحضور؛ فالراحلون حاضرون في صلوات الأحياء، والأحياء ممتدون في ذكرى الراحلين. إنها لوحة تحتفي بـ "الحياة الممتدة" التي لا يقطع خيطها رحيل الجسد.

إرسال تعليق

أحدث أقدم