بقلم وجدي حبشي
فكرة الخلود عند الفراعنة أوحت للفنان المصري القديم إخراج إبداعاته إلى حيز الوجود .. وإنطلاقاً من هذا الإيمان لدى قدماء المصريين والتي تمثل وجه المتوفي هي الحلقة الأخيرة من سلسلة تطور العقيدة المصرية .. إذ كانت طقوسهم الجنائزية حفظ الجثة وتحنيطها .. ووضع تماثيل وأقنعة ترسم عليها البورتريهات “الوجوه” وذلك لتتعرف عليها الروح.
فإنهم سبقوا شعوب العالم كلها بفكرة البعث والحساب .. وعدالة السماء بالنظرة الفلسفية للحياة .. والتي تؤمن أن حياة الإنسان على الأرض ليست إلا رحلة عابرة نحو حياته الأفضل .. والأسمى في السماء.
من قراءاتي ومشاهدتي لوسائل الإعلام يوم ٢٥ أكتوبر ٢٠١٦ لفت نظري أن بعض من بورتريهات الفيوم ضمن مزاد لبعض الآثار المصرية في قاعة كريستي للمزاد بنيويورك .. يرجع معظمها إلى الفترة من القرن الأول وحتى الرابع الميلادي .. وهي الفترة التي شهدت تحولات في الفن، والتي تمثل ثروة فنية هائلة تستحق بالفعل أن يشيد بها شعب مصر بالفنان القبطي، وتعتبر إبداعاته المستلهمة من روح الفن الفرعوني كنوزاً للفن ومراجع ثقافية وعلمية وتاريخية نجدها في متاحفنا المصرية ومتاحف معظم بلاد العالم.
ومن البورتريهات المعروضة التي عرضت للمزاد لوحة فنية لصورة إمرأة تتميز بتصفيف شعرها مع إرتدائها بعض من المجوهرات الثمينة وقدرت ثمنها ب ١٨٧ ألف دولار .. كما ضم المزاد لوحة لشاب ملتحٍ يرجع تاريخها للقرن الثاني الميلادي وقدرت ب ١٢٥ ألف دولار.
وقد برع الفنان القبطي في تسجيل ملامح كبار الشخصيات من رجال ونساء وأطفال حتى البسطاء من الشعب وذلك للتعرف عليها في خطوط بسيطة مليئة بالرقة والبلاغة .. نلمس في الوجوه المرسومة الظلال والنور والتي عثر عليها في جبانات الفيوم وغيرها في الصعيد بعيداً عن الأسكندرية .. ولذلك سميت بأوجه الموتى نظراً لإكتشافها في المقابر “الجبانات”.
وجوه الفيوم رسمها الفنان القبطي القديم الذي كان إنتماؤه الفكري والعقائدي مصرياً .. وليس رومانياً .. نلمس في الوجوه عمق المعنى وقوة التأثير وقدرة مبدعيها وتمكنهم التكنيكي في فن رسم البورتريه .. ومهاراتهم في محاكاة الطبيعة وقوة بناء الشكل وجمال الصياغة، وروعة الألوان .. نستشعر وكأنها الصدى لترانيم الكهنة في أروقة المعابد .. وتعبر بقوة عن جلال مشهد يوم البعث.
وجوه الفيوم هي إمتداد لفكرة تمثال “الكا” والرؤوس البديلة .. والقناع ولفائف الكتان .. وما يعلوها .. كل ذلك لتتعرف الروح “البا” عليه ضماناً للأبدية .. والبعث والخلود.. وهي التي أضاءت الطريق أمام فن البورتريه وتعلم منه جميع فناني العالم وخصوصاً عصر النهضة .. لأنه أول رسم للوجوه في تاريخ الفن المصري القديم .. ورسوم الفيوم نلمس فيها إشعاعاً من الحياة والحيوية الصادقة تكاد ترسل من العيون المرسومة بملامحهم وشخصياتهم وصفاتهم فكانت ترسم هذه البورتريهات لأصحابها أثناء حياتهم ثم يأخذها المحنطون بعد الوفاة لوضعها في مكانها المعد لها فوق وجهه، والتي هيمنت على عقول المصريين من بداية تاريخهم حتى إعتناقهم الدين المسيحي.
ومن الفيوم خرجت هذه البورتريهات عبر رحلة عمرها ١٨ قرناً من الزمان لتبهر العالم بروعة هذا الفن الفريد من إبداعات الفنان القبطي القديم منذ آلاف السنين وفي عصرنا هذا تخرج بورتريهات الفيوم الجميلة تتحدث عن تاريخ العالم القديم في العصر القبطي.
يرجع اسم بورتريهات الفيوم إلى أول مكان عثر فيه على مومياوات في منطقة “هوارة” بالفيوم عقب أعمال التنقيب التي قام بها عالم الآثار البريطاني “فليندر بتري” عام ١٨٨٨ وكانت صور تخص سيدات ورجال وأطفال من جميع الأعمار كما عثر على مثل هذه الصور في مناطق أخرى مثل سقارة وحتى أسوان.
وهذه الآثار الفريدة تتعدى الألف عمل فني .. وأغلبها موجود بالمتحف المصري والمتحف البريطاني ومتحف بروكلين بنيويورك والمتحف المصري ببرلين .. ومتحف اللوفر بفرنسا ومتحف مانشيستر بإنجلترا .. وقد اكتشفت مجموعة كبيرة من هذا النوع الغامض المدهش من البورتريهات بواسطة تاجر نمساوي عام ١٨٨٧ حيث إستطاع أن يجمع ٣٠٠ صورة من الفيوم، وهذه المجموعة موزعة حالياً على متاحف كثيرة ومجموعات خاصة.
ويرجع تاريخ البورتريهات إلي الفترة ما بين منتصف القرن الأول وحتى آخر القرن الرابع الميلادي .. وتعد إبداعات من الفن مرتبط بمنطقة محددة وهي الفيوم .. والكثير منها به ملامح المدرسة التأثيرية التي ظهرت في الفن نهاية القرن ١٩.. وهذا الفن يعتبر خليطاً بين فن البورتريه مع فن التحنيط المصري القديم.
وبالرغم أن تلك البورتريهات تمثل فناً شديد المحلية .. إلا أنها أصبحت علامة مهمة في تاريخ الفن لأنها النموذج الوحيد المتبقي الذي وصل إلينا عن أعمال التصوير على لوحات من العصور القديمة .. تذخر مصر بها كما تفخر جميع متاحف العالم بإقتناء عدد كبير من بورتريهات الفيوم والأيقونات القبطية.
وقد وصلت هذه الأعمال إلى أوروبا في أوائل القرن السابع عشر عام ١٦١٥ بواسطة أحد النبلاء الإيطاليين كان قد عثر عليها بالصدفة في منطقة سقارة .. وتلك البورتريهات شديدة البساطة في تكوينها وتناغمها اللوني .. وفيها اللون نقي وطازج لدرجة أن ألوان الكثير منها تبدو وكأنها لم تجف بعد .. وذلك نظراً للمناخ الجاف والحار للمنطقة التي عثر عليها والتي حفظت اللوحات بشكل ممتاز.
وتتكون معظم وجوه الفيوم من ألوان أربعة أساسية الأبيض والأصفر والأحمر والأسود وهذه الألوان التي رسمت الشعر والوجه نفسه .. أما الألوان الإضافية مثل الأزرق والأخضر والأرجوان فإستخدمها الفنان في تلوين الملابس والمجوهرات والتيجان .. مع إضافة اللمسات الأخيرة من اللون الذهبي.
كما أن اللون ليس له مضمون شكلي فقط بل له مضامين تعبيرية متعددة .. رسمها الفنان على سطح اللوحة بالفرشاة معبراً عن إنطباعات متناقضة تجمع بين الرقة والقوة .. والنظرة الحادة للعيون التي تطل علينا من هذه الوجوه إلى نقطة لانهائية .. وخلفية البورتريهات ذات ألوان غير محددة.
وهناك سبب على واقعية هذه البورتريهات نلمسها في الوجوه المرسومة .. وهي سمات أساسية مرتبطة بالواقع الذي عاشه المجتمع في ظل إضطهاد الرومان للمسيحيين .. وهي الألم الباطن والحزن المرسوم في العيون .. والنظرة الثاقبة .. وهذه السمات هي الأصل للفن القبطي عامة .. فالفنان يعبر عن الواقع الإنساني والنفسي بالإضافة إلى السمات الشخصية لصاحب البورتريه .. حيث أن كل الوجوه المرسومة مصرية خالصة .. قد رسمت أثناء حياة الشخوص التي تجسدها وفي بعض البورتريهات كان الفنان يضع لمسات إضافية قبل وضعها على الشخص المدفون في التابوت .. وهذا تسجيلاً حياً لجانب من الواقع.
فمجرد الإهتمام بالأكفان وصورة الوجه التي ترشد الروح إلى الجسد .. يمثل إعتناقا لعقيدة المصريين في الحياة الأخرى قبل المسيحية وبعدها .. حيث تغلبت فكرة القيامة لن تكون على الأرض .. وإنما في الأمجاد السماوية .. عندئذ توقف المصريون عن رسم ملامح المتوفي.
وكانت هذه البورتريهات الرائعة التجسيم “الظل والنور والبعد الثالث” ترسم على لفائف من الكتان أو على سدائب خشبية أو على لوحات صغيرة من خشب جميز أو الأرز واللبخ والسرو والتين والزيتون .. توضع داخل التوابيت عند منطقة الرأس فوق الوجه أو البورتريه ، وهذه تسمى صورة جاءت منها كلمة أيقونة باليونانية وكان يقصد بها رسم الوجوه .. ثم أصبحت في العصر القبطي صورة دينية لها طابع روحي ومفهوم طقسي وعقائدي .. مستلهمة من الكتاب المقدس والتي تمثل أيقونات للسيد المسيح والقديسة العذراء مريم والملائكة مع حياة الآباء القديسين والشهداء والتي تعبر تعبيراً فنياً لاهوتياً وروحياً.
كما نجد لبورتريهات الفيوم والأيقونات الروحية “القبطية” بعض الخصائص والسمات المشتركة في أسلوب الإبداع وهي الرسم بطريقة “التمبرا” يستخدم فيها صفار البيض كمادة أساسية لتماسك الألوان الطبيعية “الأكاسيد” .. والمادة الثانية الرسم بالشمع المصهور خاصة شمع النحل الساخن ومزجه بألوان من الأكاسيد والأحجار الطبيعية .. مستمد من الفن المصري القديم حيث كانت تستخدم في رسوم معظم الصور المصرية، والتي وجدت على جدران المعابد والتوابيت والأقنعة .. وأيضاً على الأخشاب وأوراق البردي والجلود والأقمشة.
وبورتريهات الفيوم لها أهمية كبرى لكونها أول تسجيل معروف لوجه آدمي في التاريخ .. وتعتبر أهم الرسوم الأثرية سياحياً وفنياً .. وهكذا صارت من روائع فن البورتريه في العصر القبطي وهي مدرسة أصلية وممتازة لفن البورتريه التي أضاءت بإسلوبها الفريد مع بداية القرن الأول الميلادي .. وستظل منارة فنية وروحية على مر العصور.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر هذا المقال بجريدة وطنى بتاريخ ١٧ نوفمبر ٢٠١٦




