بقلم وجدي حبشي
الفنان يعيش ومن حوله الجمال في أي مكان وزمان .. وعن طريق مخيلة الفنان يبرز ذلك الجمال برؤيته الفنية الخاصة والتي تنبع من أعماقه وفكره وفلسفته للحياة للمكان والإنسان ليعبر عما بداخله .. فيسجل رؤى نفسه وشعبه مؤكداً ذاته من خلال عطائه وألوانه.
نلمس تلك المعاني في إبداعات الفنانة القديرة جاذبية سري ومعرضها الأخير “الفن حياتي” المقام حالياً في قاعة الزمالك للفن والذي تزامن مع عيد ميلادها ال ٩١.. ليضم أكثر من ٦٥ لوحة بالألوان المتنوعة تمثل ٦٨ عاماً من الإبداع والإلهام .. ويستمر حتى السابع من نوفمبر ٢٠١٦.
ومن خلال الأعمال المعروضة نستشعر مدى إستفادتها من المكان والإنسان .. فنرى تجمعات الناس في تكوينات تعبر عن موضوعات مصرية صميمة .. لقد إستطاعت في معرضها الأخير أن تلخص تجربتها الطويلة بالخطوط والمساحات اللونية السميكة .. فتنساب وتتحرك على سطوح لوحاتها حيث تسبح في آفاق رؤيتها الشاملة للمكان والزمان في تكوينات مبتكرة.
والمتأمل للوحات المعرض يشعر أن الفنانة إستهوتها الطبيعة بشكل شامل .. يظهر ذلك في حياة الناس من خلال الوحدات الشبيهة بالوجوه والبيوت في تساؤلات يشع منها قلق متفائل عن حقائق الوجود والحياة .. إنها تحب الحياة .. وتنظر للبيئة بمنظار الأمل مع الإنبهار بسحر الضوء واللون اللانهائي .. وتتأمله لتعبر عن مضمون لوحاتها.. نجد ذلك في مجموعة اللوحات التي سجلت فيها تجربتها الخاصة مع الطبيعة بمشاعرها التي إمتزجت برؤيتها لجمال وسحر البحر والصحراء بنسيج لوني باهر.
وفي جميع إبداعاتها القديمة والحديثة نجد الفنانة جاذبية سري مسيطرة بمقدرة وأستاذية على المساحات والخطوط اللونية بروح المكان والزمان رغم تطور أشكالها التي استخدمت في صياغتها الألوان بأنواعها .. تتميز بالحس الدرامي بمقدرة على التعبير المركز، وتلقائية وجرأة لا حد لها .. فاللون يعطي دلالة غنية تسقطه على سطح اللوحة في عنف رقيق.. وتعتبر أعمال الفنانة مزيجاً من التعبيرية في الأداء والتجريدية في الشكل.
نقاء الألوان المبهجة الشفافة وامتزاجها ببعض لطالما أكسبت لوحاتها ثراء ملحوظاً يتناسب مع مستوى إبداعات جاذبية التي أحبتها .. لقد انفعلت بالحياة وعاشت على أرضها وأخلصت .. فأبدعت لوحات تنطق بحب مصر في مساحات وتكوينات سواء كان قوامها الناس أو طبيعة المكان أو حتى الزهور.
والفنانة المتميزة والمتفردة جاذبية سري أصبحت رائدة من رواد الحركة الفنية المصرية .. ونالت باستحقاق العديد من الجوائز: جائزة روما عام ١٩٥٢ .. والجائزة الشرفية لبينالي فينسيا عام ١٩٥٦ .. وجائزة تصوير وحفر بينالي الإسكندرية عام ١٩٥٩ وعام ١٩٦٣ .. والجائزة الأولى لصالون القاهرة عام ١٩٦٠ والجائزة الكبرى للفن المعاصر “موناكو” عام ١٩٦٨ .. وجائزة الدولة التشجيعية للرسم الملون ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام ١٩٧٠ .. وجائزة الدولة التقديرية عام ٢٠٠٠ كما سجل اسمها في موسوعة روبير للفن بباريس عام ١٩٧٦ وموسوعة لاروس للفن عام ١٩٧٩ .. والموسوعة القومية للشخصيات المصرية “الهيئة العامة للإستعلامات” عام ١٩٩٠.
وأهم ما تتميز به الفنانة جاذبية سري تلك الحرية الشديدة التي تحكم التأليف الإبداعي .. فهي فنانة متطورة وهذا سر نجاحها وتفوقها .. فقد أعطت من خلال .إبداعاتها واقعاً فنياً له مذاقه وجمالياته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر هذا المقال في جريدة وطنى بتاريخ ١٨ أكتوبر ٢٠١٦


