بقلم: نادر حبيب
قد يبدو الفن التشكيلي للبعض حكرًا على قاعات العرض والنخب الثقافية، لكنه في جوهره أداة إنسانية عميقة، تخاطب الوجدان قبل أن تطلب الفهم، وتلمس القلب حتى وإن اختلفت اللغة أو الخبرة أو التعليم. ولعل أصدق أشكال الفن هو ذاك الذي يتوجه إلى الإنسان العادي، لا ليستعرض أمامه، بل ليعكس مشاعره ويضيء زوايا روحه. من الخطأ تصور الفن التشكيلي رفاهية؛ إنه ضرورة، لأنه يُربّي الذوق، ويُهذّب الشعور، ويمنح للواقع نكهة أخرى، أكثر احتمالًا، وأكثر إنسانية.
منذ آلاف السنين، لم يكن المصري بعيدًا عن الفن. الفرعوني الذي ملأ جدران المعابد بالمشاهد والرموز، لم يفعل ذلك من باب الترف، بل من باب الوعي بأن الصورة تخلّد، وأن الجمال يحفظ الروح. هذا الارتباط العميق بين المصري والفن ظل حيًا عبر القرون، يتخذ أشكالًا شعبية أحيانًا، وراقية أحيانًا أخرى، من زخارف الأرابيسك، إلى جداريات القرى، إلى نحت المقابر، حتى الفن الحديث في القرن العشرين. لكن، ورغم هذا التراث الهائل، بدأ التذوق الفني يتراجع، وأصبح الجمال حبيس النخبة، بينما تراجعت المساحات العامة التي كانت تُتيح للناس العاديين رؤية الفن والتفاعل معه.
لا يمكن إنكار الأسباب: التعليم الذي همّش الفنون، والإعلام الذي قلّص المساحة المخصصة للثقافة، والحياة اليومية التي أثقلت كاهل الناس بلقمة العيش على حساب كل ما هو معنوي. لكن رغم كل ذلك، لا يزال الفن قادرًا على العودة، لا من بوابة القاعات فقط، بل من خلال الشوارع، والمدارس، والمبادرات المجتمعية، والمتاحف المفتوحة، والفنانين الذين يصرّون على أن يكونوا صوت الناس، لا مجرد معلقين على الجدران. الفن الحقيقي، الصادق، المحترم، قادر أن يجد طريقه وسط الزحام، لأن الحاجة إليه فطرية، ومتأصلة.
ومع ما نراه من ملامح جديدة في الجمهورية الجديدة، هناك فرصة حقيقية لأن نستعيد الذائقة، لا بإعادة الماضي كما هو، بل بإحيائه بروح عصرية. أن نُعلّم أولادنا أن الجمال لا يقل أهمية عن العلم، وأن نُعيد الاعتبار للفنان كصانع وعي ومهندس مشاعر، لا مجرد هاوٍ أو غريب الأطوار. موقع Fannopedia هو محاولة صغيرة ضمن هذا السياق: أن نمنح الفن حقه في الحضور، ونمنح الناس حقهم في التذوق، ونترك للتجارب الصادقة أن تتحدث عن نفسها، دون تزويق ولا ادعاء.
"الفن ليس لمن يملك أدواته، بل لمن يحتاجه. ومن منا لا يحتاج لحظة جمال تُنقذ روحه؟"
Tags:
نقطة
