كيف نُربّي أبناءنا على تذوق الفن التشكيلي... رغم كل شيء؟


بقلم: نادر حبيب

في ظل الضغوط الاقتصادية، تصبح التربية أحيانًا فعل نجاة لا فعل تنشئة. نحاول أن نعلّم أبناءنا كيف يعيشون، لا كيف يستمتعون بالحياة. نطارد الدروس والأسعار والضروريات، بينما يتراجع الجَمال إلى الصفوف الخلفية، كأنه من الكماليات. لكن الحقيقة العميقة، أن الفن ليس ترفًا، بل أحد احتياجات الروح الأساسية، وأن التربية على تذوق الفن التشكيلي، حتى في أحلك الظروف، ليست فقط ممكنة، بل ضرورية.

الطفل الذي ينشأ في بيئة تقدّر الجمال، يصبح إنسانًا أقل عنفًا، أكثر توازنًا، أقدر على التعبير عن مشاعره وفهم مشاعر غيره. تربية الذوق الفني لا تحتاج إلى دخول المتاحف كل أسبوع، بل تبدأ من البيت: من لوحة معلّقة، من حديث عن الألوان، من دفتر رسم لا يزيد ثمنه عن ثمن وجبة سريعة، من ملاحظة ظل الشمس على الحائط، أو نقوش الحرفي في سوق قديم. المهم أن نُربّي في الطفل عينًا ترى، وروحًا تتأمل، وأن نربطه بالفن لا كشيء صعب أو بعيد، بل كصديق يومي.

الفن التشكيلي خصوصًا لديه القدرة أن يكون مدخلًا بصريًا بسيطًا وساحرًا. فاللون شكل بدائي للفهم، والأشكال تحكي قبل أن تُفسّر. طفل صغير قد يقف مشدوهًا أمام لوحة بدون أن يعرف اسمها أو تاريخها، لكنه "يستطعمها"، يشعر بشيء ما يلامسه، وهذا هو التذوق في أنقى صوره. ومن هنا، لا نحتاج إلى ترف مادي لنُربي حاسة الفن، بل إلى ترف وجداني: أن نمنح أبناءنا لحظة تأمل، وفسحة خيال، وحرية رسم.

الأهم أن نُعلّم أبناءنا أن الفن لا يُقاس بثمنه ولا بشهرته، بل بقدرته على أن يقول شيئًا جديدًا بصدق. أن نعرّفهم على فنانين مصريين من الطبقة الوسطى أو المهمّشة، أبدعوا لأنهم أحبوا الفن لا لأنهم امتلكوا أدواته كلها. أن نحكي لهم عن جداريات في القرى، أو عن فنون شارع محمد علي، أو عن رسومات الكاريكاتير التي غيّرت نظرة الناس للواقع.

في النهاية، تربية الذوق الفني ليست درسًا في منهج، بل طريقة حياة. وإذا أردنا أن نُخرج أبناءنا من دوائر القبح والبلادة البصرية التي تحاصرهم، فعلينا أن نفتح لهم نافذة على الجمال، ولو صغيرة، ولو في بيت مزدحم، ولو في شارع مزدحم، ولو في زمن مزدحم. الفن لن يملأ الثلاجة، لكنه سيملأ القلب بما يجعل البرد أهون والجوع أرحم.

إرسال تعليق

أحدث أقدم