
في مشهد بانورامي يفيض بالشاعرية، يأخذنا الفنان وجدي حبشي إلى قلب الإسكندرية، وتحديداً منطقة "بحري"، ليقدم لنا رؤية فنية تتجاوز مجرد التسجيل الوثائقي للمكان، لتصل إلى جوهر الهدوء الساحلي. اللوحة ليست مجرد رصد لمراكب راسية، بل هي تجسيد بصري للعلاقة الأزلية بين الماء والسماء والجماد.
اختار الفنان "الكادر" العرضي الممتد، وهو اختيار ذكي يعزز الشعور بالبراح والسكينة. وزع حبشي الكتل (المراكب) ببراعة على مسطح اللوحة؛ فنجد مجموعة رئيسية في المقدمة جهة اليمين، توازنها مراكب أبعد في العمق، مما خلق عمقاً منظورياً (Perspective) جذاباً يغوي عين المشاهد بالتجول داخل العمل.
المراكب هنا لا تبدو كأجسام ثقيلة، بل ككائنات خفيفة تطفو على سطح مرآة مائية. الخطوط الرفيعة لصواري المراكب، التي تمتد عمودياً لتخترق الأفق، أضافت إيقاعاً موسيقياً للعمل، كأنها أوتار آلة موسيقية تنتظر نسمة هواء لتعزف لحن البحر.
تعتمد اللوحة على درجات "المونوكروم" أو الألوان المتقاربة، حيث يسيطر اللون الرمادي المائل للزرقة والبيج الرملي. هذا التقشف اللوني لم يكن عجزاً، بل كان أداة لتعزيز حالة "الضبابية الحالمة".
استخدم الفنان ضربات فرشاة رقيقة وشفافة في بعض المناطق، بينما اعتمد على "التهشير" والخطوط الدقيقة لتحديد معالم المراكب. يبرز الضوء في اللوحة ليس كمصدر مباشر، بل كـ "هالة" تغمر المشهد، مما يوحي بأن اللوحة رُسمت في لحظة سحرية، ربما هي لحظة الفجر الأولى أو الغروب البارد، حيث تذوب الحدود بين الماء والسماء.
ما يميز "مراكب بحري" عند وجدي حبشي هو قدرته على استحضار روح الإسكندرية دون المبالغة في التفاصيل. نلمح في الخلفية أشباحاً لمبانٍ عتيقة وقباباً توحي بعمارة المدينة الكلاسيكية، لكنها تظل باهتة لتترك السيادة للمراكب.
هذه المراكب ليست في حالة حركة، بل هي في حالة **"راحة صوفية"**. تعكس اللوحة فلسفة "الانتظار"؛ فالمراكب الراسية هي رمز للصيادين الغائبين، وللبحر الذي يهدأ بعد عاصفة. هناك مسحة من الشجن النبيل تغلف العمل، وهو شجن لا يبعث على الحزن، بل على التأمل والسكينة.
رغم أن اللوحة تشخيصية (تجسد عناصر واقعية)، إلا أن حبشي يميل في مناطق كثيرة إلى التجريد. فهو يختزل تفاصيل المركب في خطوط أساسية، ويترك للمشاهد حرية استكمال التفاصيل بخياله. هذا الأسلوب يمنح العمل "حداثة" ويجعله صالحاً لكل زمان، حيث لا يرتبط بتفاصيل تقنية محددة بل بروح العنصر.
تعد لوحة "مراكب بحري" لوجدي حبشي قطعة فنية تعكس نضجاً في التعامل مع المساحة والضوء. إنها دعوة للهدوء في عالم صاخب، حيث استطاع الفنان بلمساته الرقيقة أن يحول "خشب المراكب" إلى قصائد بصرية تطفو على وجه الملح، محققاً توازناً نادراً بين صلابة التكوين ورهافة الإحساس.
Tags:
جاليري