في عمل يفيض بالسكينة الروحية، يقدم لنا الفنان وجدي حبشي لوحة "الصياد"، وهي ليست مجرد رصد لمهنة يومية، بل هي تجسيد بصري للحظة "التوحد" بين الإنسان والطبيعة. في هذه اللوحة، يتحول فعل الصيد من السعي وراء الرزق إلى طقس صوفي يغلفه الهدوء التام وسكون الكون.
اختار الفنان تكويناً يعتمد على "المركزية المرنة"؛ حيث يستقر القارب في قلب المساحة المائية، لكنه يميل بزاويته نحو العمق ليعطي شعوراً بالحركة البطيئة أو الانسياب الهادئ. الصياد، الذي يظهر كجزء لا يتجزأ من جسد القارب، يمسك بمجدافه (أو صنارته) في وضعية انتظار مهيبة.
هذه "العزلة" التي اختارها الفنان للصياد وسط مساحة شاسعة من الماء والسماء لا تعطي شعوراً بالوحشة، بل بالسلام. فالمساحات الفارغة في اللوحة (Negative Space) تعمل كمساحات للتنفس البصري، مما يفرض على المشاهد حالة من الهدوء الإجباري.
تعد "الباليتة" اللونية في هذا العمل هي البطل الحقيقي، فحوار الأزرق والبرتقالي استخدمه حبشي تضاداً لونياً ذكياً بين درجات الأزرق والتركواز التي تسيطر على الماء، وبين اللون البرتقالي والذهبي الذي يغمر السماء. هذا التباين يعكس لحظة "الغسق" أو "الشروق"، وهي اللحظات التي تتسم بأقصى درجات السكون والجمال الفطري، ويظهر الضوء الانعكاسي ليعكس ضوء السماء على سطح الماء ليخلق ممراً ضوئياً يربط بين الصياد والأفق، وكأن هناك خيطاً نورانياً يربط بين عالم الأرض وعالم السماء.
يتميز أسلوب حبشي هنا بضربات فرشاة غنية بالملمس (Texture)، مما يمنح سطح اللوحة حيوية خاصة. نلاحظ أن الماء ليس مسطحاً ساكناً تماماً، بل هو مليء بتموجات لونية صغيرة توحي بـ "نفس" الطبيعة. استخدام تقنيات التظليل الناعم على جسد الصياد جعله يبدو كطيف، مما يؤكد أن الهدف من اللوحة ليس "التشخيص" بل "الحالة الشعورية".
في زمن الضجيج، تأتي لوحة "الصياد" كفعل مقاومة بصري. الفنان يركز على "الصبر"؛ فالصياد في حالة انتظار، والطبيعة في حالة ترقب. المجداف الطويل الذي يكسر أفق اللوحة رأسياً يعمل كـ "صاري" يربط بين عناصر اللوحة، ويمنح المشهد ثباتاً معمارياً يمنع تشتت العين.
لوحة "الصياد" لوجدي حبشي هي قصيدة مرسومة عن **"أدب الصمت"**. نجح الفنان في نقلنا من ضجيج الحياة إلى شاطئ بعيد، حيث لا صوت يعلو فوق صوت ارتطام الماء الخفيف بجسد القارب. إنها دعوة للتأمل، وتذكير بأن الجمال الحقيقي يكمن في اللحظات البسيطة التي يتصالح فيها الإنسان مع محيطه، ويصبح جزءاً من سيمفونية الكون الهادئة.
Tags:
جاليري
